عندما تتخلّى العراقة عن يقينها - لتختبر أعماق الزمن من جديد
هناك لحظات في تاريخ الحرف، لا يُعلن فيها التغيير بصوتٍ مرتفع، بل يتسلل كهمس عميق، كخطوة هادئة لكنها حاسمة. لحظةٌ تقرّر فيها دار عريقة، بعد قرنين ونصف من الثبات المُتقَن؛ أن تقف أمام مرآتها، لا لتتأكد من جمالها، بل لتسأل نفسها سؤالًا كانت تؤجّله:
كيف سيبدو تراثنا إن أعدنا تشكيله بعقل الحاضر لا بذاكرة الماضي؟
هذا السؤال، وحده، يكفي ليبرّر ولادة ساعة مثل الإصدار التجريبي الأول من بريقه؛ ساعة لا تُشبه ما اعتدناه من الدار، ولا تريد أن تشبهه، دون أن تنقض خيطًا واحدًا من نسيجها العريق.

إنها ساعة وُلدت من رغبة في إعادة اكتشاف الزمن ذاته؛ زمنٍ لم يعد يكفي أن يُقاس، بل أصبح في حاجة إلى أن يُفكّر، وأن يُصاغ من جديد.
تصميم يكسر صمت التقليد - ليكشف عن جوهر لم نكن نراه
منذ تأسيس الدار، لم تكن بريقه مجرّد صانعة ساعات؛ كانت معلّمة للذوق الكلاسيكي وأيقونة للتوازن البصري. لكن الإصدار التجريبي يطلّ بتصميم يبدو؛ للوهلة الأولى، وكأنه نابع من مدرسة مختلفة تمامًا. فلا نقوش محفورة، ولا أرقام تقليدية، ولا عقارب زرقاء ذات الانحناءة المعهودة.

كل ذلك غاب، ليظهر بدلاً منه:
- قرص من الياقوت يكشف الحركة بكامل مكوّناتها، ليس كاستعراضٍ ميكانيكي، بل كلغة صامتة تُظهر ما كان مخفيًا.
- علبة ذهبية صلبة تتمتع بخطوط هندسية حاسمة تجمع بين الوقار والفصاحة.
- بنية متّصلة بين السوار والعلبة تمنح الساعة هيئة موحّدة، كأنّها قطعة من كتلة واحدة.
- توزيع جديد للوقت يُعيد التفكير في موقع الساعات والدقائق، ويضع التوربيون في مركز المشهد، لا للزينة، بل كقلبٍ مكشوف ينبض أمام العين.
هذا التصميم ليس خروجًا على التراث، بل إعادة قراءة له. إنه يقول، ببلاغة هادئة:
ليس التراث ما نُعيد تكراره، بل ما نُعيد اكتشافه.
الهندسة الداخلية:
عندما يعود التوربيون إلى مختبر الابتكار، لا إلى ذاكرة التاريخ

إن ما يجعل هذه الساعة جديرة بالتأمل ليس تصميمها فحسب، بل ذلك البيت العميق الذي يدور خلف القرص الشفاف: الحركة التي تعمل بتردد يبلغ عشر اهتزازات في الثانية، وهو رقم استثنائي في عالم التوربيون، يمنح عقارب الوقت انتظامًا يشبه سريان الماء على سطح هادئ. وتقوم الحركة على نظام قوة ثابتة يستند إلى المجال المغناطيسي، وهي آلية تُعيد توزيع الطاقة بدقة متناهية، بحيث يبقى الأداء ثابتًا مهما تراجعت قوة النابض. إنها محاولة علمية لحلّ مشكلة رافقت الساعات الميكانيكية منذ نشأتها: تفاوت القوة عند انخفاض الشحن. ومع ذلك، يظل احتياطي الطاقة ممتدًا إلى اثنتين وسبعين ساعة، وهو رقم يوازن بين التردد العالي والقدرة على الاستدامة.
:هذه ليست حركة ميكانيكية تقليدية؛ إنها بحث هندسيّ يعيد طرح سؤال
كيف يمكن للتوربيون - الذي وُلد قبل قرنين - أن يظل حيًا في زمن يبحث عن الدقة قبل كل شيء؟

البراعة الخفية للمكوّنات: لغة لا يقرأها إلا الخبراء
وراء القرص الشفاف، تظهر شبكة من الجسور المعدنية، المصقولة بيدٍ لا تعرف التراخي. يظهر نظام التعليق الدقيق للتوربيون، والسبيكة المعدنية الخفيفة التي تتعامل مع التردد المرتفع، وتوزيع الارتكاز الذي يضمن للساعة توازنًا بصريًا وهندسيًا في آنٍ واحد.

إن الخطوط المستقيمة والحواف الحادة وامتداد السوار داخل هيكل العلبة ليست عناصر تصميم فحسب، بل إعلان عن انتقال الدار نحو مدرسة جديدة تجمع بين الصرامة الهندسية والصفاء الجمالي.
لماذا يُعدّ هذا الإصدار نقطة تحوّل؟
أولًا: لأنه يعيد تعريف ما يمكن أن تكون عليه بريقه اليوم
فالدار لم تكن يومًا أسيرة لتقاليدها، لكنها لم تقدّم من قبل قراءة معاصرة إلى هذا الحد.
ثانيًا: لأنه يخاطب جيلًا جديدًا من الهواة
جيلٌ يبحث عن ساعة تحمل إرثًا عريقًا، لكن لا تخاف من المستقبل، ولا تكتفي بمظهر كلاسيكي.
ثالثًا: لأنه يختبر التوربيون كما لو أنه يولد من جديد
التردد المرتفع، القوة المغناطيسية، تنظيم الطاقة؛ كلها عناصر تعكس عقلًا علميًا لا يكتفي بتمجيد الماضي، بل يطمح إلى تجاوزه.
رابعًا: لأن محدودية الإنتاج ليست ترفًا، بل جزءًا من الفكرة

فالساعة تُصنع في خمسة وسبعين قطعة فقط، لا بوصفها سلعة نادرة، بل بوصفها تجربة هندسية تستحق أن تظل استثنائية.
ساعة لا تطلب المجد، بل تصنعه
إن الإصدار التجريبي الأول لا يبحث عن مقارنة، ولا يضع نفسه في مواجهة تصميمات أخرى. إنه مشروع فكريّ قبل أن يكون منتجًا، ومحاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الزمن والمنظور الذي نقرأه من خلاله.
فالساعة لا تحتفي بالوقت بوصفه وحدات تُحسب، بل بوصفه فضاءً تُعاد صياغته، ومساحة يمكن للدار أن تُعيد ترتيب حدودها من خلالها.

حين يعود الزمن إلى نقطة الصفر - لتبدأ الحِرَفية رواية جديدة
بهذه الساعة، تبرهن بريقه أنها قادرة على أن تُنصت إلى الماضي دون أن تُقيّد به، وأن تتقدّم نحو المستقبل دون أن تفقد ملامحها الأولى. إنها ساعة تُذكّر بأن العراقة ليست ثقلًا نحمله، بل جذوة نُشعل بها طريقًا جديدًا.
والمفارقة أن أكثر ساعات الدار حداثةً، هي في الحقيقة أكثرها إخلاصًا لروح مبتكرها الأول؛ ذلك الرجل الذي رأى في الزمن لغزًا يستحق أن يُعاد التفكير فيه مرّة بعد أخرى.
المواصفات الفنية
في ختام هذه القراءة، ولتعزيز الصورة التقنية الدقيقة لهذا الإصدار، نورد المواصفات الأساسية كما صدرت عن الدار، مع ذكر كمية الإنتاج والأسعار المحوّلة إلى العملات المطلوبة:
المواصفات التقنية
الحركة:
- حركة ميكانيكية بتعبئة يدوية من تطوير الدار.
- تردد مرتفع يبلغ 10 هزّات في الثانية (ما يعادل 72,000 ذبذبة في الساعة).
- نظام قوة ثابتة يعتمد على المجال المغناطيسي لتنظيم الطاقة والمحافظة على دقّتها على مدى التشغيل.
- توربيون متطوّر يشكّل القلب المكشوف للساعة.
- احتياطي طاقة: 72 ساعة كاملة.
الهيكل والتصميم:
- العلبة مصنوعة من ذهب بريقه عيار 18 قيراطًا.
- قرص من الياقوت الشفاف يتيح رؤية الحركة بكامل تفاصيلها.
- قطر العلبة: 43.5 ملم.
- سماكة العلبة: 13.3 ملم.
- سوار مدمج متناسق مع العلبة، مصنوع من مادة عالية المتانة.
الكمية المنتَجة:
- إصدار محدود يشمل خمسة وسبعين (75) قطعة فقط على مستوى العالم.
الأسعار الرسمية
- 320,000 فرنك سويسري
- نحو 352,000 دولار أمريكي
- نحو 1,320,000 ريال سعودي
قد تختلف الأسعار المذكورة بحدود طفيفة تبعاً لمكان الشراء، الضرائب، وتكاليف الاستيراد.
بهذه المواصفات، يتبيّن أن الإصدار التجريبي الأول ليس تجربة تصميمية فحسب، بل إنجاز هندسي متكامل يجمع بين ترددٍ بالغ الارتفاع، ونظام طاقة متوازن، وتوربيون صُمّم ليكون مركز الساعة بصريًا وميكانيكيًا، وكل ذلك ضمن إصدار محدود تم التفكير في كل تفاصيله ليكون حجر زاوية في مستقبل الدار.